سعيد حوي

1839

الأساس في التفسير

الذي يصدع بالحق ، وتستصحب معها في هذه المواجهة تلك المؤثرات العميقة العنيفة الكثيرة الموفورة التي تحدثنا عنها إجمالا وتفصيلا ونحن نقدم السورة ونستعرضها ووقفنا أمامها ما شاء الله أن نقف . . بينما سورة الأنعام تتخذ هذا المنهج ، وتسلك في الطريق . . نجد سورة الأعراف - وهي تعالج موضوع العقيدة كذلك - تأخذ طريقا آخر ، وتعرض موضوعها في مجال آخر . إنها تعرضه في مجال التاريخ البشري . . في مجال رحلة البشرية كلها من الجنة والملأ الأعلى ، وعائدة إلى النقطة التي انطلقت منها . . وفي هذا المدى المتطاول تعرض « موكب الإيمان » من لدن آدم « عليه السلام » إلى محمد عليه الصلاة والسلام - تعرض هذا الموكب الكريم يحمل هذه العقيدة ويمضي بها على مدار التاريخ . يواجه بها البشرية جيلا بعد جيل ، وقبيلا بعد قبيل . . ويرسم سياق السورة في تتابعه : كيف استقبلت البشرية هذا الموكب وما معه من الهدى ؟ كيف خاطبها هذا الموكب . وكيف جاوبته ؟ كيف وقف الملأ منها لهذا الموكب بالمرصاد ، وكيف تخطى هذا الموكب أرصادها ومضى في طريقه إلى الله ؟ وكيف كانت عاقبة المكذبين وعاقبة المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة ؟ إنها رحلة طويلة . . ولكن السورة تقطعها مرحلة مرحلة وتقف منها عند معظم المعالم البارزة ، في الطريق المرسوم . ملامحه واضحة ومعالمه قائمة ، ومبدؤه معلوم ، ونهايته مرسومة . . والبشرية تخطو فيه بجموعها الحاشدة . ثم تقطعه راجعة . . إلى حيث بدأت رحلتها في الملأ الأعلى . . لقد انطلقت هذه البشرية من نقطة البدء ، ممثلة في شخصين اثنين . . آدم وزوجه . . أبوي البشر . . وانطلق معهما الشيطان . [ ممهلا ] من الله في غوايتهما وغواية ذراريهما ، ومأخوذ عليهما عهد الله وعلى ذراريهما كذلك ومبتلى كلاهما وذراريهما معهما بقدر من الاختيار ، ليأخذوا عهد الله بقوة ، أو ليركنوا إلى الشيطان عدوهم وعدو أبويهم الذي أخرجهما من الجنة ؛ وليسمعوا الآيات التي يحملها إليهم ذلك الرهط الكريم من الرسل على مدار التاريخ ، أو يسمعوا غواية الشيطان الذي لا يني يجلب عليهم بخيله ورجله ، ويأتيهم عن أيمانهم وعن شمائلهم ! . انطلقت البشرية من هناك . . من عند ربها سبحانه . . انطلقت إلى الأرض تعمل وتسعى ، وتكد وتشقى ، وتصلح وتفسد ، وتعمر وتخرب ، وتتنافس وتتقاتل ، وتكدح الكدح الذي لا ينجو منه شقي ولا سعيد . . ثم ها هي ذي تؤوب ! ها هي ذي راجعة إلى ربها الذي أطلقها في هذا المجال . . ها هي ذي تحمل ما كسبت طوال